حيدر حب الله

355

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

نعم ، غاب بين المسلمين الترضّي والترحّم على علماء المذاهب الأخرى إلا قليلًا ، وكذا على بعض رموز الفرق الأخرى ، فلا يترضّى الشيعة على بعض الصحابة ، ولا يترضى السنّة على بعض علماء الشيعة ورموزهم ، وهذا لا علاقة له بما نحن فيه ، بل هو راجع إلى روح التكفير تارةً ، والقطيعة حتى الروحيّة بين المذاهب الإسلاميّة أخرى ، وأحياناً لبعض المبرّرات المقبولة ثالثة مبنائيّاً ، وهذا أمرٌ آخر . فالإنصاف أنّ الترحّم والترضّي لا سيما على المشايخ والأساتذة ، لا يُعطي دلالةً على التوثيق أو التحسين المطلق ولو كان كثيراً ، فلابدّ من حشد المزيد من الأمارات الأخرى لإثبات التوثيق ، نعم الترحّم والترضّي دليل أنّ المترحّم والمترضّي يرى الطرف الآخر أهلًا للرحمة والرضا ، فلا يكون بنظره إنساناً بلغ حداً لا يستحقّ قطعاً رحمة الله ورضاه ولا يغفر له ، كحدّ الشرك بالله سبحانه ، ولا يبعد أنّ الشيخ الصدوق كان يميّز مشايخه من حيث مذاهبهم بالرضيلة والرحملة ، فمن ترضى عنه فهو شيعي عنده على ما قيل « 1 » . خامساً : إنّ التوثيق لا يقف عند حدّ أنّه يكذب أو لا يكذب ، بل يمتدّ لحالة الثقة بكلامه من حيث إنّه لا يخلط النصوص أو لا يتساهل في النقل وفقاً لقناعة خاصّة أو يكون ضابطاً ، وفقدان مثل هذه الصفات لا يضرّ بمكانته الدينية واستحقاقه الرحمة ؛ لفرض عدم وجود معصية ؛ فإنّ كلمة : ثقة ، عندما يُشهد بها قد تتحمّل - في الجملة - حصول الاعتماد على قوله من ناحية صدقه وكذلك من ناحية مدى ضبطه ودقته ، أما الترحّم والترضّي فهما لا يُثبتان سوى أنه ليس بكذّاب ، لكنهما لا يُثبتان كونه أميناً في النقل بما يتصل بالدقة والضبط وما شابه ذلك « 2 » ، ولذلك وثقوا أشخاص غمزوا فيهم بكثرة روايتهم عن المجاهيل والضعفاء والمراسيل وبأنّهم كثيرو الوهم والاشتباه وركاكة النقل

--> ( 1 ) انظر : كتاب من لا يحضره الفقيه 4 : 502 ، الهامش . ( 2 ) لاحظتُ أنّ هذه النقطة لم يلتفت إليها كثيرون عند معالجة أكثر أو كلّ أمارات التوثيق العامّة والخاصّة ، فبعض هذه الأمارات يواجه هذه المشكلة ، فأبقها في بالك فهي نافعة ، إن شاء الله .